الرئيسية / الأدب / نفوس أسيرة -٦-نوال

نفوس أسيرة -٦-نوال

محمد المليجي : انتفضت كريمة من مقعدها واقفة ثم قالت:

– أرجوا ألا تكون نوال الدرديري !
قالت رشيدة:

– ومن تكون نوال الدرديري التى تتحدثين عنها يا كريمة!.

صمتت كريمة قليلا ثم جلست مرة أخري وقد علت الدهشة ملامح وجهها وهي تقول … دي تبقى مصيبة .. دي تبقى مصيبة ..هل يمكن هذا !!!! …
دهشت رشيدة من تصرف كريمة قليلة الكلام التى ثارت فجأة عندما سمعت صوت القادمة الجديدة نوال وقالت لها متعجبة:

– ماذا جري يا كريمة وما هي المصيبة التى تتكلمين عنها؟

قالت كريمة:

– هذه ستكون فعلا مصيبة حقيقيه لو كانت هذه نوال التى أعرفها

قالت رشيدة:

-من فضلك أفصحي لى الأمر فقد شغلتيني ..هل تعرفي هذه السيدة من قبل؟.

قالت كريمة:

– من فضلك يا رشيدة اطلبي المشرفة واعرفي اسم هذه السيدة بالكامل وسأقول لك القصة ويا رب أكون غلطانة.

قالت رشيدة:

-ولماذا لا تطلبيها أنت؟

قالت كريمة:

– أرجوك يا رشيدة اطلبي المشرفة أنت لأن أعصابي ليست مضبوطة وأنت تعرفين حالى عندما أتوتر.

أخرجت رشيدة تليفونها من حقيبتها وطلبت المشرفة لتستفسر عن اسم النزيلة الجديدة وسمعت الرد ثم أغلقت التليفون بينما كريمة يكاد يقتلها الانتظار وهي تحملق فى وجه رشيدة.

قالت كريمة:

– إسمها إيه يا رشيدة؟

قالت رشيدة:

– اسمها نوال محمود ابراهيم الدرديري

لطمت كريمة خديها واعترت وجهها معالم الصدمة وتجمدت أوصالها والتصقت بمقعدها لدقائق لا تسمع نداء رشيدة وهي تقول لها:

– جرالك ايه يا كريمة …جرالك إيه يا كريمة.
أفاقت كريمة من صدمتها ببطء وقالت:

– إنها فعلا نوال الدرديري سكرتيرة زوجي التي خطفته مني واستولت عليه وعلى أمواله وشركاته وخربت بيتي.
قالت رشيدة:

– ماذا تقولين يا كريمة فلم أسمع منك هذا الكلام من قبل.
قالت كريمة:

– ماذا تريدين منى أن اقول لكي يا رشيدة هانم؟

هل يمكن أن أقول لكي أنى كنت زوجة فاشلة أو زوجة قبيحة استطاعت سكرتيرة زوجها تأخذ زوجها منها؟ 

لو استطعت زمان كنت قتلتها ولكن دار الزمن وأتت إلى بنفسها.
قالت رشيدة : 

– روقى يا كريمة ولا تعكري دمك واستهدي بالله حتى نعرف ما هي قصتها فقد يكون تشابه أسماء.
قالت كريمة:

– هي نفسها الملعونة بعينها رغم أنى رأيتها مرة واحدة ولكنها لم تراني ابدا وان شاء الله نهايتها هنا على ايدي.
قالت رشيدة:

– ماذا تقصدين يا كريمة؟ استعيذي بالله من الشيطان الرجيم والله عادل فلو كانت هي نفس السيدة فقد انتقم الله منها وأخذ منها حقك وأصبحت فقيرة ومريضة وأنت أفضل حالا منها الآن.
قالت كريمة:

– لا أعرف كيف ستواجهني وكيف سأتعامل معها في هذه الدار بعد هذه السنين.
قالت رشيدة:

– اتركي ذلك للأيام ولا تعكري صفوك فقد عهدتك هادئة وكتومة فلا تغيري من طباعك وتعاملي معها ببرود فليست هي نوال السكرتيرة بل سيدة عجوز مثلنا مريضة وتحتاج للعون.
قالت كريمة: 

– اللهم ألهمني الصبر والحكمة على رؤيتها حولي فلم أقابلها في يوم من الأيام وكل ما شاهدته فيها صورة سقطت من حافظة زوجي سهوا والتقطتها وكانت الشرارة التي أدت إلى طلاقنا.

بدأت كريمة لأول مرة تتكلم عن حياتها بعد أن رأت نوال وهي تظن أن نوال لا تعرفها ولم تراها من قبل ولكن نوال كانت قد رأت كريمة مرة واحدة وهي تزور زوجها في مكتبه وكانت زيارة على عجل لم تستمر أكثر من خمسة دقائق وقطعا غيرت السنين من ملامحها وأصبح من الصعب مطابقة الصورتين الآن.

طال الحديث بين كريمة ورشيدة عن كيف سرقت نوال زوجها وكيف استولت على أمواله وشركاته ثم طردته من حياتها. 

كان زوج كريمة زميلا لها فى الدراسة ومن أسرة متوسطة الحال تقدم لها بعد ان شغل وظيفة بالميناء وكانت وحيدة أبويها وكان أبيها المريض يريد أن يطمئن عليها قبل وفاته ورأي الجميع أنه زوج مناسب رغم بساطة حاله حيث قامت عائلة كريمة بكل تجهيزات الزفاف. 

انتقلت كريمة وزوجها الى شقة استأجرها وأسسها والد كريمة لهما وعاشا معا معيشة بسيطة فى البداية ألا ان مظاهر الثراء بدأت تبدوا على زوج كريمة بعد خمس سنوات من الزواج بما لا يتناسب مع راتبه وبدأت كريمة تسال عن مصدر هذه الأموال التى تتدفق على زوجها وكان يقول لها انها عمولات وأجور وقت إضافى يتميز بها العاملين بالجمارك فى الميناء. 

ساور الشك كريمة فى طبيعة عمل زوجها فى الميناء الذى يدر عليه هذه الأموال وهو مجرد موظف بسيط يحمل درجة البكالوريوس فى التجارة بتقدير مقبول وليس لديه ملكات خاصة تجعله بهذا التميز. لم يكن عند كريمة من الأدلة التى تستطيع أن تأكد بها شكوكها فى زوجها ولذلك لم تفاتحه فى الموضوع خوفا من أن يؤدي ذلك الى مشاكل فى حياتهم الزوجية خاصة أن كريمة لم تنجب أطفالا وكانت دائمة الاعتناء بوالدتها بعد وفاة أبيها وتقضي الكثير من الوقت معها رغم تبرم زوجها أحيانا من غيابها عن البيت.

وفى أحد الأيام عاد زوج كريمة من عمله ليقول لها انه استقال من وظيفته بالميناء وأسس شركة خاصة للشحن والتفريغ. دهشت كريمة لقرار زوجها المفاجئ الذي لم يستشيرها فيه وغضبت جدا لتصرفه هذا ولكنه لم يأبه بغضبها واستمر فى مشروعه.
جمع زوج كريمة بعض الخبرات من العاملين فى الميناء للعمل فى شركته بعد الظهر ومنهم الآنسة نوال الدرديري السكرتيرة التى كان دائما يشيد بمهاراتها بالعمل فى الميناء وأنها تفعل كل شيء بدقة وحرفية يصعب تصديقها. 

كانت الشركة تقوم على دفع الرشاوى لضعاف النفوس من موظفي الميناء لإدخال الممنوعات من الميناء وأحست كريمة ان زوجها شكل هذه الشركة من عصابة محترفة فى تهريب المواد المنتهية الصلاحية والمغشوشة وأيقنت ان كل مال زوجها من هذه الشركة حرام. 

طلبت كريمة من زوجها ان يغلق هذه الشركة ويبحث عن عمل شريف بعد أن واجهته بشكوكها ولكنه رفض وثار بشدة واتهمها بأنها ليست وجه نعمة. 

قررت كريمة ان لا تستخدم اى من نقود زوجها فى شيء يخصها وبدأت تستخدم دخلها فقط فى كل مناحي حياتها خاصة بعد ان اصبح غياب زوجها عن المنزل كثيرا ومتكررا لانشغاله الشديد بالعمل الخاص بشركته.
كان الشيء الوحيد الذي يجمع بين كريمة وزوجها هو وجبة الإفطار فى الصباح والذي كانت تجهزها كل يوم كعادتها. وفى احد الايام وضع زوجها محفظته على طاولة الطعام وهو يجلس للإفطار وفجأة وهو يحرك المحفظة جانبا ليضع كوب من الماء انزلقت منها صورة لفتاة.

 التقطت كريمة صورة الفتاة الجميلة ونظرت بها وقالت لزوجها:

– من هذه الفتاة التى تحتفظ بصورتها فى محفظتك يا أستاذ؟

 تلعثم زوجها فى البداية ثم قال:

– انها صورة نوال سكرتيرة الشركة
قالت كريمة:

– ولماذا تحتفظ بصورتها فى محفظتك ؟
قال:

– لأنى سأذهب لهيئة التأمينات الاجتماعية  فهم يحتاجون صورتها وبياناتها للتأمين عليها مع موظفين الشركة.

قالت كريمة:

– ولماذا تطلب هيئة التأمينات من مدير الشركة ليكمل إجراءات موظفه لديه ولا تقوم هي بهذه المهمة؟

قال الزوج:

– أنا ذاهب هناك طبيعي لإنهاء اجراءات موظفين الشركة وأعطتنى نوال صورتها لتوصيلها فقط.
لم تصدق كريمة زوجها وبحس المرأة ايقنت ان هناك علاقة بين زوجها وسكرتيرته الحسناء.

تكررت أسئلة كريمة لزوجها عن هذه السكرتيرة وماذا تفعل فى الشركة  ودب الخلاف بين الزوجين بعد ان طلبت كريمة من زوجها استبعاد تلك السكرتيرة من مكتبة إذا كان يريد ان يحافظ على علاقته الزوجية بكريمة. 

رفض الزوج أن يطرد سكرتيرته الحسناء رفضا باتا متذرعا بأنها العقل المفكر لشركته وأن زوجته أعمتها الغيرة وأنه لا توجد علاقة غير طبيعية له بهذه السكرتيرة.

بحثت كريمة خلف زوجها واستأجرت أحد المحامين ليتتبع زوجها وسكرتيرته واستطاعت ان تعرف ان زوجها قد تزوج من هذه الفتاة وانه يقضي معها وقتا طويلا فى احد الشقق المطلة على البحر بمنطقة المندرة بالإسكندرية.
واجهت كريمة زوجها بهذه المعلومات وكان رده عليها باردا وصاعقا فلم ينكر أنه متزوج من هذه السكرتيرة لسببين رئيسيين فى رأيه الأول منهما أنه يبحث عن الخلفه وهذا حقه الشرعي والسبب الثاني أنها كما يقول عقلية تجارية جبارة وسبب لثرائه ونجاح أعمال شركته.

قالت كريمة:

– إذا كنت تبحث عن الخلفه لماذا رفضت الذهاب للتحليل عندما ذهبت أنا وطلبت منك أن تذهب للطبيب.

قال الزوج:

– ليس لدي سبب للذهاب للطبيب فهذه قطعا ليست مشكلتي.

نظرت إليه كريمة نظرة أسي وحسرة على زوج فقد كل مقومات الزوج الذى يستحق إخلاصها ولم تتحمل هذا الموقف الجاحد من زوجها وقالت:

– طلقني يا حسن وروح عيش عند مراتك الجديدة.

نظر إليها حسن ولم يرد فى حينها ولكن كريمة شعرت أن زوجها كان ينتظر هذه اللحظة ليخرج من حياتها بلا عودة وتأكد لها ذلك عندما استدار زوجها ودخل غرفة نومهما وبدأ يجمع ملابسة وأشيائه الشخصية من أقلامه وأزرار قمصانه إلى بدلة وشراباته ويضعها فى حقيبته. 

جلست كريمة فى ردهة الشقة لا تدري ماذا تفعل والزوج يجمع ملابسة وأشيائه الصغيرة ويرحل بهدوء من حياتها. وبمجر أن أغلق الباب خلفه شعرت كريمة أنها تجمدت فى مكانها لا تشعر بأطرافها ولا تعتريها أي مشاعر ولكن عيناها تعلقتا بتلك الصورة المعلقة هناك على الحائط لعروسين كانا سعيدين يحب كل منهما الآخر ويعيشان حياة كلها أمل فى المستقبل ولكن الحياة غيرت فى مسارهما وفى أقدارهما.

كانت كريمة تحب زوجها حتى فى أوقات الخلاف وكانت تعاتبه على سلوكه الوظيفي المشين وتتمنى أن يتوب ويرجع عنه ولكنها لم تفكر يوما في الانفصال عنه لتعيش وحيدة بعد أن مات أبويها وجردتها الحياة من أعز الناس إليها. 

حزنت كريمة على فراق زوجها وظنت أنه يوما سيراجع نفسه ويعود إليها وبكت بشدة كما لم تبكي من قبل ولكن ظنها وأملها فى عودة زوجها تبددا بعد شهر واحد من رحيل زوجها  عندما دق باب شقتها رجل ليسلمها ورقة طلاقها. 

عن Mohamed El Meleigi

Professor of Plant Pathology and Microbiology Worked in University Alexandria Egypt, North Dakota State University, University of Kentucky, Kansas State University, king Saud University, Qassim University

اقرأ ايضاً

نفوس أسيرة -١٣- مصطفي

ذهب مصطفى إلى حجرته وأحضر مفكرة سميكة قديمة وضعت داخل مظروف أصفر متهالك من مظاريف …

Leave a Reply