الرئيسية / القصة والرواية / أين ولدي Where is my son

أين ولدي Where is my son

أين ولدي؟
ا.د. محمد المليجي
الجزء السابع:  أخذ ابو فهد الورقة وخرج وهو لا يري ما أمامه وكأنه أصيب بالعمى من شدة الصدمة فتعثر وهو فى طريقه للخروج من القنصلية فى أحد المقاعد بمدخل القنصلية وانكفأ على وجهه فى ردهة المبني فهرع اليه الموظف يحاول مساعدته على الوقوف ولكنه نفض يده منه بسرعة واستعاد توازنه وكبريائه واتجه الى باب الخروج .

خرج الرجل من القنصلية لا يعرف أين يبدأ مرة ثانية ولكنه أصبح على الأقل يمتلك خيطا قد يدله على ولده. هداه تفكيره فى ان يشتري بعض الطعام ويذهب الى شقة ولده لينتظره هناك فقد يأتي فى وقت ما وقد لا يحتاج الأمر الى مخبر خاص للبحث عنه.

عاد الرجل الى سكن ولده يحمل الطعام وهناك بدأ يرتب وينظف المكان ويفحص فى مخلفات ابنه الذي ترك الجامعة ومساكن الطلاب ليعيش فى هذه الشقة العفنة من هذا الحي الفقير بعيدا عن الشرطة ورقابة البشر ليعيش فى حضن الإدمان والمدمنين.

لم يشاهد ابو فهد حركة كثيرة فى المبني نهارا وكأنها عمارة للأشباح ولكن عندما حل المساء سمع أقدام بعض المارة فى الخارج فنظر من عين الباب السحرية ليشاهد ما كان يعمل له ألف حساب وهو تلك الوجوه التى تعود عليها كضابط شرطة، إنها نفس الوجوه الهزيلة الشاحبة والعيون التائهة للمدمنين الذين زاد ضعف الضوء فى الردهة أمام الشقة من بروز معالم البؤس على وجوههم فكل سكان هذا المبني على ما يبدو من المدمنين والمدمنات.
ظل الرجل فى هذا السجن الإنفرادي قابعا فى أحد المقاعد مترددا فى أن يطلب زوجته على الهاتف ويقص عليها ما حدث له فى شيكاغو منذ وصولة ولكنه يعرف مسبقا ماذا سيكون موقف وشعور زوجته التى قد تسقط ميتة من أثر الصدمة وهي الأم المريضة بالقلب ولديها ما يكفيها من الآلام.
طرق الباب أحدا واستبشر للحظات ابو فهد بقدوم ولده ولكن لماذا يطرق أحدا باب شقته وهو يحمل مفتاحها فتملك الخوف والقلق فى بدن ابو فهد مرة أخري وهرول نحو الباب ونظر من العين السحرية ليجد شخصا يقف بالباب ذو ملامح حادة ومخيفة اختلطت معالم وجهه بجروح قديمة غائرة.
تردد الرجل فى فتح الباب ولكنه قال لنفسه ربما يكون هذا الشخص صديق لفهد فيدلني عليه ولكنه قد يكون ايضا مجرما فيطعنه من أجل سرقته.
وقف ابو فهد خلف الباب حائرا حتى سمع الرجل ينادي اسم ابنه بلكنه أجنبية ففتح الباب فتحة صغيرة وقال:
• ماذا تريد يا رجل
قال الرجل:
• أريد فهد المستأجر
قال ابو فهد:
• هل تعرفه
قال الرجل:
-لا ولكنه زبوني ويشتري مني
قال ابو فهد:
– يشتري منك ماذا
صاح الرجل بصوت مرتفع:
– هل أنت مجنون أيها الرجل .. اذهب الى الجحيم ثم انصرف بسرعة ليطرق باب آخر فى نفس الطرقة.
تيقن ابو فهد من شكه أن ابنه أصبح مدمنا وأن هذا الرجل موزع للمخدرات فأغلق بابه وظل ينتظر ولده وقلبه يحترق على ما وصل إليه حاله.
مرت الليلة الثانية طويلة قاسية على ابو فهد كسابقتها وفى الصباح اتصل برقم المواطن الذي أنقذ ابنه وعاد به الى الوطن.
دق جرس التليفون آلو .. آلو
– مين سيادتك
– أنا أخوك فلان من السعودية ولى عندك خدمة
– تفضل ماذا تريد
– ولدي تائه فى شيكاجو ويبدو أنه وقع فى شرك الإدمان ودلتني القنصلية عليك لأعرف عنوان مكتب تحقيقات خاص يساعدني فى الحصول عليه.
صمت الرجل برهة وقال:
– كان الله فى العون .. ما عمر ولدك؟
قال ابوفهد:
– عمره 24 عام
قال الرجل:؟
– سأرسل لك رسالة بعنوان المكتب ورقم تليفونه ولكن نصيحة لله .. أتركه هناك أو عالجه هناك ان وجدته.
قال ابو فهد:
– لماذا أترك ولدي وأعود بدونه إن وجدته.
قال الرجل:
– لقد عدت بولدي وليته مات أو تركته هناك لمصيره فهو هنا معنا لا يحيي ولا يموت ومصدر لا ينضب لتعاسة الأسرة
قال ابو فهد ممتعضا:
– شكرا لك على كل حال
ولكنه كان غير سعيد بالمرة من حديث هذا الرجل وقرر الخروج من شقة ولده لبعض الوقت التى يترك بابها ليس غلقا تماما كما وجدها أول مرة حتى يستطيع الدخول حيث لا يملك مفتاحها. خرج الرجل ليسير على قدميه قليلا وليستجمع قواه وخبرته الشرطية ويرسم خطته للبحث عن فهد بعيدا عن القنصلية وجهودها.
شعر ابو فهد فجأة برغبته فى التدخين وهو الذى انقطع عنه من أكثر من عشر سنوات بعد أن نصحه الأطباء بالتوقف لما أصاب رئتيه من عطب بسبب التدخين. إتجه الى البقالة القريبة من مسكن ولده التى تديرها سيدة سوداء تقف دائما خلف حصالة النقود متحفزة ومدققة فى وجوه القادمين الذين يجمعون ما يريدون ويأتون إليها لدفع الحساب.
نظر ابو فهد فى ارفف البقالة ولم يجد التبغ فتوجه الى السيدة يسألها عن المارلبورو الأحمر الذى كان يدخنه.
قالت له السيدة بحزم أنها لا تبيع التبغ وإن أرادا فعليه بالذهاب الى محطة الوقود على ناصية الشارع وسيجد هناك كل أنواع السجائر. سار ابو فهد على قدميه حتى وصل الى محطة الوقود ووجد ما يريد وحصل على المارلبورو الأحمر وواصل السير حتى وجد حديقة عامة يرتادها الشباب والشيوخ منهم من يقضى الوقت جالسا متأملا على المقاعد الخشبيه المنتشرة فى الحديقة ومنهم من يندمج فى قبلات وضحكات خادشة للحياء بلا اهتمام بمن هم حوله. هذه هي الحياة هنا كل يفعل ما يريد طالما لا يؤذى من حوله جسديا ولا يعرفون أن الأذى النفسي قد يكون أكثر من الأذى الجسدي ولكن هذه النفوس تبلدت ولم تعد تتأثر كثيرا بما نتأثر به فى بلادنا ونعمل له ألف حساب.
ظل ابو فهد فى الحديقة يقلب فى أفكاره منتظرا لعل ولده يمر به أو يعود الى بيته ويلتقى به ويلمس يديه وتحضن عيناه عينيه فلقاء الولد بعد غيبة لا يشعر به إلا الأب أو الأم خاصة عندما يكون الولد فى خطر أو مريض أو مسافر وكل هذه الصفات الآن تجمعت فى فهد الغائب فكيف تكون لهفة أبيه على لقائه.

بدأ النهار فى الانسحاب ليحل الليل وعاد ابو فهد من الحديقة بخطوات بطيئة مهزومة ورأس ثقلت بالأفكار حتى كادت تسقط على صدره حتى وصل ألى شقة ابنه فى الخامسة مساءا ولا حظ أن الباب مفتوح قليلا أكثر مما تركه فتهلل فرحا ظنا أن ولده قد عاد فدفع الباب متلهفا لرؤيته ولكنه فوجئ برجل أمريكيا ضخم الجثة يرتدي فى عنقه سلاسل وصلبان وتغطي الوشوم ذراعية الغليظتين وتمتد الرسوم الشيطانية من صدره حتى رقبته وقد زرع فى أذنيه أقراط وفِي انفه حلقات كالتى يضعها الفلاحين احيانا فى أنف الجاموس. كان الرجل يقف فى وسط المطبخ كالشيطان يبحث عن شيء ما.
وقف ابو فهد مذهولا وغير قادرا على النطق حتى التفت إليه هذا الرجل وقال:
– من أنت ؟
رد أبو فهد:
– أنا والد فهد الذي يسكن هنا
قال الرجل:
– أين هو فهد لقد حان وقت دفع الايجار .. هذه شقتي
قال ابو فهد:
– انا أريد أن أسألك اذا كنت تعرف مكانه
قال الرجل:
-لا أعرف مكانه فهو يغيب أيام ويعود وعادة يترك لى الإيجار فى هذا الدرج من المطبخ اذا كان غير موجودا.
قال ابو فهد:
– كم قيمة الايجار الشهري
قال :
– خمسمائة دولار
اخرج ابو فهد من جيبه المبلغ وأعطاه الرجل
نظر الرجل إليه بشفقة وقال له :
– اسمع يا رجل .. لا تحمل معك كاش بهذه الطريقة ..أنت لست فى بلدك ..اذا عرف أحد أنك تحمل كاش (نقد) قد يطعنك من أجل مئة دولار..اذهب الى اي بنك وحول نقودك الى شيكات ولا تتعامل بالنقد هنا ابدا كما تعاملت معي…أنا مهاجر من المكسيك وتعلمت هذا الدرس مبكرا ثم كشف عن بطنه ليريه مكان طعنة قديمة فى جانبه قائلا:
– هذه طعنة من أجل عشرة دولارات فقط.
شكر ابو فهد الرجل على نصيحته الصادقة رغم مظهره المخيف وأنصرف صاحب الشقة وهو يقول:
– لا تترك الباب مفتوحا مرة أخري كما يفعل ولدك فقد تتعرض لمشاكل كثيرة وهذا مفتاح إضافي وهذا أيضا رقم تليفوني فقد تحتاجه.
بعد عشرة دقائق تقريبا عاد نفس الرجل وطرق الباب ففتح له ابو فهد مستفسرا عن سبب عودته فقال الرجل:
– لإبنك صديقة مكسيكية أيضا كانت تأتي معه لهذه الشقة احيانا اسمها ماريا وهي تعمل فى مصنع ملابس لوتس الذى فى نهاية هذا الشارع الشرقية فقد كنت أعمل به أيضا وقد تدلك على ولدك إذا تأخر حضوره.
دهش ابو فهد من كلام الرجل الذى فهمه بصعوبة ولم يصدق أن لفهد الخلوق المتدين صديقه بهذه السهولة ….ماذا حدث لولده وما سبب هذا التحول الكبير الذى اعتراه وسيطر على كيانه بهذه السرعة فى هذه البعثة اللعينة وكأنها بعثة الى جهنم.
كان لا بد لأبو فهد أن يعمل وحيدا وبسرعة للحصول على ولده لإنقاذه من الخطر الذى داهمه فى شوارع هذه المدينة الرهيبة ولكن أين يبدأ.
بعد أن مر يومين ولم يحضر فهد قرر أبو فهد فى صباح يومه الثالث الاتصال برقم مكتب التحقيقات الخاص الذى حصل عليه مع عنوانه من مواطن سعودي آخر.
طلب ابو فهد رقم تليفون المكتب ولكن لم يرد أحد وظل يكرر الطلب بلا فائدة وتصور أن الرقم الذى معه خطأ او تغير فقرر الذهاب الى عنوان المكتب.

عن Mohammed El Meleigi

اقرأ ايضاً

رحيل تجدها الآن على Amazon Publication

رحيل محمد المليجي حيل تمثل مجموعتي القصصية “رحيل ” التى نشرت من عام ونيف مرحلة …

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *